ابن قيم الجوزية

214

الروح

شَيْئاً مَذْكُوراً « 1 » فلو كانت روحه قديمة لكان الإنسان لم يزل شيئا مذكورا ، فإنه إنما هو إنسان بروحه لا ببدنه فقط ، كما قيل : يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته * فأنت بالروح لا بالجسم إنسان الوجه التاسع : النصوص الدالة على أن اللّه سبحانه كان ولم يكن شيء غيره ، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين ، أن أهل اليمن قالوا : يا رسول اللّه جئناك لنتفقه في الدين ، ونسألك عن أول هذا الأمر ؟ فقال : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، فلم يكن مع اللّه أرواح ولا نفوس قديمة يساوي وجودها وجوده ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، بل هو الأول وحده لا يشاركه غيره إلى أوليته بوجه « 2 » . الوجه العاشر : النصوص الدالة على خلق الملائكة وهم أرواح مستغنية عن أجساد تقوم بها وهم مخلوقون قبل خلق الإنسان وروحه ، فإذا كان الملك الذي يحدث الروح في جسد ابن آدم بنفخته مخلوقا فكيف تكون الروح الحادثة بنفخة قديمة ؟ وهؤلاء الغالطون يظنون أن الملك يرسل إلى الجنين بروح قديمة أزلية ينفخها فيه ، كما يرسل الرسول بثوب إلى الإنسان يلبسه إياه وهذا ضلال وخطأ ، وإنما يرسل اللّه سبحانه إليه الملك فينفخ فيه نفخة تحدث له الروح بواسطة تلك النفخة ، فتكون النفخة هي سبب حصول الروح وحدوثها له ، كما كان الوطء والإنزال سبب تكون جسمه ، والغداء سبب نموه ، فمادة الروح من نفخة الملك ، ومادة الجسم من صب الماء في الرحم ، فهذه مادة سماوية ، وهذه مادة أرضية ، فمن الناس من تغلب عليه المادة السماوية فتصير روحه علوية شريفة تناسب الملائكة ، ومنهم من تغلب عليه المادة الأرضية فتصير روحه سلفية ترابية مهينة تناسب الأرواح السلفية ، فالملك أب لروحه ، والتراب أب لبدنه وجسمه . الوجه الحادي عشر : حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه الذي في صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الأرواح جنود مجندة فما

--> ( 1 ) سورة الدهر ، الآية 1 . ( 2 ) أخرجه النسائي في باب الجماعة للفائت ( 2 / 105 ) .